محمد محمد أبو موسى
699
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
والمثال الثاني الذي ذكره من القرآن في هذا النوع قوله تعالى : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ ، إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً » . . . الآيات « 11 » ، وقال معلقا عليها : « فهذا كلام يهز الأعطاف ، ويأخذ بمجامع القلوب في استدراج ، والاذعان ، والانقياد بألطف العبارات وأرشقها ، وهو مشتمل على حسن الملاطفة من أوجه ، أما أولا : فلأن إبراهيم صلوات اللّه عليه لما أراد هداية أبيه إلى الخير وانقاذه مما هو متورط فيه من الكفر والضلال الذي خالف فيه العقل ، فساق معه الكلام على أحسن هيئة ، ورتبه على أعجب ترتيب ، من حسن الملاطفة ، والاستدراج والرفق في الخصومة والحجاج ، والأدب العالي ، وحسن الخلق الحميد ، وذلك أنه بدأ بطلب الباعث على عبادة الأوثان والأصنام ، ليتوصل بذلك إلى قطعه وافحامه ، ثم أنه تكايس معه ، بأن عرض اليه بأن من لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى شيئا من الأشياء لا يكون حقيقا بالعبادة ، وأن من كان حيا سميعا بصيرا مقتدرا على الإثابة والعقاب متمكنا من العطاء والانعام والتفضل ، من الملائكة وسائر الأنبياء من جملة الخلق فإنه لا يستحق العبادة ، ويستسخف عقل من عبده ، فكيف من هذه حاله في عدم الحياة ، والسمع ، والبصر ، من جملة الجمادات والأحجار التي لا حراك لها ولا حياة بها ؟ . وأما ثانيا : فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه ، والرفق به ، وسلوك جانب التواضع ، فلم يخاطب أباه بالجهل عما هو يدعوه اليه ، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق ، والاختصاص بالعلم الفائق ، ولكنه قال : معي لطائف من العلم وبعض منه وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية فاتبعني أنجك مما أنت فيه ، وقال له : « أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا » ، ولم يقل : أنجيك من ورطة الكفر ، وأنقذك من عماء الحيرة ،
--> ( 11 ) مريم : 41 وما بعدها .